logo
الأرشيف السوداني
logoالأرشيف السوداني

مليونية ١٧ يناير .. رصاص حي وغاز مسيل للدموع ضد المتظاهرين في العاصمة الخرطوم

March 30, 2022

سبعة قتلى وعشرات الجرحى.. تعاون أمني مشترك بين شرطة مكافحة الشغب وقوات الاحتياط المركزي

اطبع المقال

مقدمة:

سبعة قتلى هم ضحايا استخدام قوات الأمن السودانية العنف المُفرط ضد المتظاهرين السلميين، يوم الـ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٢، فضلًا عن سقوط عشرات الإصابات الحرجة بالرصاص الحي وسواه من أدوات القمع وذلك بحسب لجنة اطباء السودان المركزية.

“سلمية سلمية”.. على هذا الهُتَاف انطلق موكب حاشد في ولاية العاصمة الخرطوم، الذي كان وِجْهته “القصر الرئاسي”. سريعًا فيما يقارب الساعة الثانية ظهرًا بحسب تحليل ظلال أشعة الشمس، وجد المتظاهرون أنفسهم في مرمى نيران الأعيرة النارية وإطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع لقوات الاحتياط المركزي وشرطة مكافحة الشغب معًا، في مليونية ١٧ يناير التي تعد ثاني أكثر الأيام دموية كما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش منذ الانقلاب.

في هذا اليوم، انتشرت مقاطع مرئية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تكشف عن أعمال عنف تعرض لها الموكب، من مواقع مختلفة داخل الخرطوم وأم درمان.

عبر واحد وثلاثين مقطعًا مرئيًا، وثق “الأرشيف السوادني” العنف ضد المتظاهرين المناهضين للانقلاب الذي خَلَّفَ احتجاجات يشهدها السودان منذ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي لعام ٢٠٢١، عندما أطاح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالحكومة الانتقالية المدنية التي كان يرأسها عبد الله حمدوك.

شُكلت الحكومة المدنية في عام ٢٠١٩ بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير بعد شهور من الثورة السودانية التي قُوبلت بالقوة المُفرطة المتمثلة في استخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع والهروات، الأمر الذي أكده الأرشيف السوادني في تحقيقات سابقة.

في هذا التحقيق، عمد فريق “الأرشيف السوداني” إلى مطابقة المعالم الظاهرة في المقاطع المرئية مع صور الأقمار الصناعية وموقع خرائط جوجل ، حتى أَصبَحَت أدلة مُوثقة ترسم لنّا خريطة ما حدث، بدءًا من شارع القصر مع نقطة تمركز القوات الأمنية السودانية التي بدأت العنف، امتدادًا إلى محطة مواصلات شروني وشارع كاترينا وحديقة القرشى ومحطة وقود الغالي.

ومن خلال تحليل ظلال أشعة الشمس استطاع الفريق الوقوف على الوقت التقريبي لوقوع تلك الجرائم التي كشفتها لنا المصادر المفتوحة والتي اندلعت بين الساعة الثانية ظهرًا والثالثة عصرًا بتوقيت الخرطوم.

شارع القصر.. بداية العنف

“ثلاثة مقاطع بث مباشر”.. تحقق منها فريق “الأرشيف السوداني” أكدت على وجود المتظاهرين على طول شارع القصر، والتي كشفت عن الاستخدام المفُرط لقنابل الغاز المسيلة للدموع من اتجاهات مختلفة، بداية من معمل ستاك -المعمل المركزي الحكومي- مرورًا بشارع القيادة.

من خلال بعض المقاطع -سنتحدث عنها بالتفصيل لاحقًا- يُمكن رؤية إصابة العديد من المتظاهرين تزامنًا مع وجود قوات الاحتياطي المركزي التي ترتدي زيًا مموه رملي اللون، وشرطة مكافحة الشغب التي ترتدي زيًا مموه أزرق اللون، وسط سماع أصوات إطلاق الأعيرة النارية والغاز المسيل للدموع.

سمحت لنّا هذه المقاطع المباشرة تأكيد العديد من مقاطع الفيديو الأخرى التي تُظهر العنف والإصابات التي حدثت في نفس الموقع على طول شارع القصر، بين شارعي القيادة ومبنى جامعة الخرطوم في الشمال، وشريط السكك الحديدية ومحطة حافلات شروني إلى الجنوب، ومن ناحية أخرى أظهرت نقطة تمركز قوات الأمن التي بدأت في مطاردة المتظاهرين ودفعهم إلى الخلف.

يمكننا تأكيد المواقع الرئيسية باستخدام مقطع فيديو واحد للمتظاهرين، والذي يكشف عن العديد من المعالم الرئيسية التي يُمكن مطابقتها مع صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو الأخرى من نفس الموقع الجغرافي.

أدلة بصرية

عبر مقطع فيديو مدته خمس وأربعين ثانية تمت مشاركته عبر تويتر، نسمع صوت المتظاهرين مُرددين هتافات “سلمية سلمية” وفي أيديهم أعلام السودان يلوحون بها في مواجهة مباشرة مع شرطة مكافحة الشغب.

من خلال هذا الفيديو نرى لوحة عبر التقاطع من المجمع الطبي بجامعة الخرطوم على اليسار بسقفها المستدير، إلى لوحة سوداء مثبتة على لوح معدني يقطع الجزء الأيسر من شارع القصر، وصولًا إلى مختبر ستاك الجانب الأيمن الشرقي من التقاطع. تتحرك الكاميرا جنوبًا عائدة نحو انطلاق التظاهرة، لتُظهر شريط قطار السكك الحديدية.

يتوقف المتظاهرون في شارع القصر مع تقاطع شارع القيادة، بجانب مبنى جامعة الخرطوم، يظهر ذلك في فيديو ثانٍ تم نشره عبر تويتر، مدته خمسٍ وأربعين ثانية، يؤكد تحليل الظل هنا أن الفيديو تم تصويره بين الساعة الثانية والثانية والنصف ظهرًا بتوقيت الخرطوم، بينما جاء توقيت نشر الفيديو في الساعة الثانية ظهرًا وستة وعشرون دقيقة بتوقيت الخرطوم.

في هذا الفيديو يمكننا رؤية أدخنة قنابل الغاز المسيلة للدموع وهي تُحلق فوق رؤوس المتظاهرين، مما دفعهم إلى التراجع إلى الخلف وهم يغطون وجوههم، وأثناء سماع صوت إطلاق الأعيرة النارية، نرى رش مياه على المتظاهرين، والتي على الأرجح تأتي من شاحنة شُوهدت في مقاطع فيديو أخرى تم تصويرها من نفس المكان.

في بداية البث المباشر الأول عبر شارع القصر جنوب شريط السكك الحديدية والذي نُشر عبر فيسبوك في الساعة الثانية ظهرًا وسبعة عشر دقيقة يوم السابع عشر من كانون الثاني ٢٠٢٢، يصنع المتظاهرون حاجزًا من الحجارة، بينما يواصلون السير شمالًا عبر القضبان باتجاه التقاطع مع شارع القيادة، من بعيد يمُكن رؤية دخان الغاز المسيل للدموع الذي تم إطلاقه مُباشرة على المتظاهرين، في هذه المرحلة من الفيديو لا يوجد ما يشير إلى قيام أي متظاهر بإلقاء الحجارة أو التصرف بعنف.

بعد تلك اللحظة مباشرةً، يندفع المتظاهرون إلى الخلف، بعضهم يبحث عن مخبأ خلف حواجز الطرق أو الأشجار بينما يحاول آخرون تغطية وجوههم من الدخان. استمر إطلاق الغاز المسيل للدموع لبضع دقائق، وبعد حوالي سبع دقائق من البث المباشر، فيما يقارب الساعة الثانية ظهرًا وأربعة وعشرون دقيقة، يُمكن سماع صوت إطلاق أعيرة نارية، بالتزامن مع ذلك الصوت سقط متظاهر أرضًا، كان بلا سترة علوية مع حزام أبيض حول صدره، ويرتدي خوذة زرقاء ووشاح و بنطال أخضر مموه، وعلى الجانب الأيسر من زاوية الفيديو، لم تتضح لنا طبيعة إصابته لكن سارع آخرون إليه لتقديم المساعدة.

في الدقيقة السابعة وست عشرة ثانية من البث المباشر، يُمكن رؤية شخص آخر يُنقل في نفس الاتجاه بعيدًا عن التقاطع الشمالي المعروف بتمركز قوات الأمن فيه. لم تتضح طبيعة إصابته وظهر في الفيديو يرتدي بنطالًا أزرق.

بعد ثماني دقائق من البث المباشر، ودقيقة واحدة من سماع صوت إطلاق الأعيرة النارية، يُمكن رؤية خمسة مصابين على الأقل يتعثرون في المشي أو يَصطحبهم آخرين، ومن غير الواضح طبيعة إصاباتهم.

هنا يُمكن رؤية شخص يمسك مرفقه الأيمن، وآخر يتعثر في خطواته ويده على ساقه اليمنى، ظهر في الفيديو بلا سترة علوية ويرتدي بنطالًا أزرق أو أسود، حمله آخرين بعد فترة قليلة باتجاه الجنوب. وفي السياق ذاته نرى شخصًا آخر يتم نقله على نقالة مؤقتة، والذي يرتدي بنطالًا أسود وسترة علوية صفراء أو بيضاء، وتوجد بقعة حمراء على سترته.

وفي أعقاب هذه اللحظة، يواصل المتظاهرون الوقوف في وجه قوات الأمن، ومن ناحيةٍ أخرى نرى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، بينما يعود مصور الفيديو إلى الخلف بين صفوف المتظاهرين، نستطيع رؤية المزيد من المتاريس الحجرية حيث يقف المتظاهرون بسلام، يغنون ويهتفون ويصفقون، بينما يواصل مصور الفيديو طريقه عبر محطة حافلات شروني حيث ينتهي البث.

وعبر بث مباشر نُشر على فيسبوك، في الساعة الثالثة عصرًا بتوقيت الخرطوم في السابع عشر من كانون الثاني ٢٠٢٢، يتجه المتظاهرون جنوبًا على طول شارع القصر باتجاه حديقة القرشي، بينما يظهر آخرون حاملين شخصًا مُصاب، يرتدي بنطالًا بيج وسترة علوية زرقاء وطبيعة إصابته غير واضحة.

يمكننا تأكيد الموقع الجغرافي لهذا الفيديو من خلال تحديد المواقع المعروفة على طول الشارع نفسه مثل “هبة للمحمول ووكالات السفر والمباني البارزة الأخرى”.

يواصل موكب المظاهرة السير إلى الجنوب ثم يتجه شرقًا تجاه حديقة القرشي، وبعد عشرة دقائق من الفيديو، نُصادف رؤية نفس المتظاهر المُصاب الذي يرتدي سترة علوية وبنطالًا أزرق، لا يزال يحمله المتظاهرون، وفي هذه اللحظة يظهر آخرون يواجهون صعوبات في المشي.

ينعطف المتظاهرون مرة أخرى ناحية الجنوب في اتجاه الجانب الشرقي لحديقة القرشي، وبعد ثلاث عشرة دقيقة، يتجه الموكب إلى الشارع الذي يمتد جنوبًا من وسط الحديقة. بعد خمس عشرة دقيقة من الفيديو فيما يقارب الساعة الثالثة عصرًا وسبع عشرة دقيقة، يمكننا رؤية أدخنة قنابل الغاز المسيل للدموع يزداد كثافته.

في الدقيقة الثانية والعشرين من البث المباشر، وفي تمام الساعة الثالثة عصرًا واثنين وعشرين دقيقة بتوقيت الخرطوم، نرى إطلاق الغاز المسيل للدموع مرة أخرى مباشرةً على المتظاهرين. وفي هذا السياق قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير توثق فيه انتهاكات السابع عشر من تشرين الثاني/ يناير: “إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرة على الناس يمكن أن يسبب إصابات بالغة، لا سيما من هذا القرب الشديد، وينتهك المعايير الدولية”.

اتجه المتظاهرون ناحية محطة بنزين الغالي، قرب نهاية هذا البث المباشر، حيث يُمكننا رؤية إطلاق قنابل الغاز مباشرة على المتظاهرين، بعد واحد وثلاثين دقيقة، ينتهي البث جنوب محطة بنزين الغالي، فيما يقارب الساعة الثالثة والنصف عصرًا بتوقيت الخرطوم.

في بث مباشر آخر عبر فيسبوك، نُشر الساعة الثالثة عصرًا وخمسة وعشرين دقيقة، تحرك المتظاهرون جنوبًا عبر مسارات السكك الحديدية، استمر البث مدة اثنين وثلاثين دقيقة وأربعين ثانية، مما يعني أنه ينتهي في الساعة الرابعة عصرًا بتوقيت الخرطوم.

في الدقائق الأولى يمكننا رؤية شرطة مكافحة الشغب في زيها الرسمي ذات اللون الأزرق المموه، بالإضافة إلى مركبة كبيرة تحمل نفس اللون.

يمكن رؤية المتظاهرين يتقدمون، ويحتمون خلف الألواح الخشبية وفي بعض الحالات يرشقون قوات الأمن بالحجارة.

في دقيقتين وواحد وأربعين ثانية، يمكن رؤية شيء ما ينطلق بالقرب من السيارة، و يتبعه خط دخان أبيض.

بعد المزيد من إطلاق الغاز المسيل للدموع، نجد مصور الفيديو قد تراجع قليلًا مع المتظاهرين، ثم وقفوا غرب شارع القصر، عند الأرض الترابية التي تمر عبرها مسارات القطارات جنوب الشارع. هنا يُمكننا رؤية سيارة أمنية كبيرة تشبه شاحنة المياه، لونها أزرق مموه داكن.

ثم اقترب المتظاهرون من السيارة عن كثب، حيث يمكن رؤية العديد من قوات الأمن بالزي الرسمي بنفس الألوان التابعة لشرطة مكافحة الشغب.

في هذا الوقت، يمكن أيضًا رؤية المتظاهرين وهم يلقون الحجارة على قوات الأمن، ويتجهون للخلف بينما تبدو عبوات الغاز المسيل للدموع تتطاير من أمامهم.

بعد سبع دقائق من البث المباشر عند الساعة الثالثة والنصف عصرًا بتوقيت السودان، يمكن رؤية مجموعة جديدة من قوات الأمن عند قطار السكك الحديدية، يرتدي هؤلاء الأشخاص زيًا رملي اللون ويحملون عِصيًا طويلة، يرتدون أيضًا خُوَذ رمادية اللون والبعض منهم يحمل دروعًا.

ينتمي هؤلاء الأشخاص إلى قوات الاحتياط المركزية، تم تحديد ذلك من خلال مقارنة ملابسهم ومعداتهم بالحساب الرسمي، وكذلك موقع كمبوديا، ومن خلال شهادات الشهود التي نُشرت في تقارير عن ذلك اليوم، وعلى سبيل المثال تقرير هيومن رايتس ووتش.

في هذه المرحلة، نستطيع رؤية تراجع مُصور الفيديو جنوبًا عبر الميدان بـ”شريط القطار” وغرب الأشجار في شارع القصر. كما يُمكن رؤية قوات الاحتياط المركزي بجانب السيارة الزرقاء المموهة، إضافةً لعدد قليل من الأشخاص يرتدون الزي الأزرق المموه وهم شرطة مكافحة الشغب.

في الدقيقة الثامنة وسبع وثلاثين ثانية، ما يقارب الساعة الثالثة والنصف عصرًا، تتحرك الكاميرا لتُظهر رجلًا يرتدي نفس الزي الرسمي ذات اللون الرملي المموه ويصوب سلاحًا. يمكن أيضًا رؤية دخان الغاز المسيل للدموع على الأرض. بينما يتراجع المتظاهرون جنوبًا حيث سقطت قنابل الغاز المسيلة للدموع بجانبهم.

بعد مرور عشرة دقائق على البث المباشر، يصوب شخصٌ -يرتدي زيًا رملي- تجاه المتظاهرين مباشرة، ويمكن رؤية شيء ما بالقرب من السلاح ، كما لو أنه أطلق النار. المتظاهرون يتحركون لأسفل تجنبًا لشيءٍ ما، لكن لا يبدو أنهم مصابين في هذه اللحظة.

في هذا الوقت، تتجمع قوات الأمن معًا وتتحرك جنوبًا في شارع القصر بأعداد كبيرة، ما يدفع المتظاهرين إلى الفرار جنوبًا. خلال الدقائق القليلة التالية، ركض المتظاهرون جنوبًا، متجاوزين محطة الحافلات، حيث اقتربت قوات الأمن أيضًا، بقيادة السيارة المموهة الزرقاء الكبيرة.

يتوافق تحليل الظل مع توقيت البث المباشر، والذي يكون بعد الساعة الثالثة وخمس وثلاثين دقيقة عصرًا مباشرةً. اندفع المتظاهرون إلى الأمام، وألقوا الحجارة وغيرها من المقذوفات باتجاه قوات الأمن القادمة، حيث استدارت السيارة بشكل عمودي على الطريق واستمرت في إطلاق ما يبدو أنه غاز مسيل للدموع من السيارة.

بعد فترة قليلة، تتحرك قوات الأمن باتجاه محطة مواصلات (شروني). وفي إحدى الممرات ترى قوات الأمن الأشخاص الذين يختبئون مع المصور. وفي الدقيقة السادسة عشر من البث المباشر، يمكننا رؤية قوات الأمن وهي تتحرك جنوبًا على طول شارع القصر، حيث يحتمي مصور البث شرق الطريق خلف بعض الأشجار. ينطلق المصور إلى شارع القصر جنوبًا متجاوزًا مسجد شداد، حيث يمكن رؤية عنصر من قوات الأمن يرتدي زيًا مموه رملي اللون وهو يطلق النار، ويواصل المتظاهرون رشق الحجارة باتجاه قوات الأمن.

في الدقيقة العشرون من البث المباشر، أي حوالي الساعة الثالثة عصرًا وخمس وأربعين دقيقة، يُمكن رؤية سيارة شرطة مموهة زرقاء، إضافةً للعديد من الأشخاص الذين يرتدون زي شرطة مكافحة الشغب بلونه الأزرق المموه. يندفع المتظاهرون جنوبًا على طول شارع القصر، حيث يمكن رؤية الغاز المسيل للدموع يسقط وسطهم. ويستدير حامل الكاميرا عند نقطة واحدة، ويظهر الأشخاص الذين يرتدون الزي الرسمي.

يظهر معظمهم في نفس الزي المموه الرملي اللون، وقليل منهم يرتدون زي التمويه الأزرق الداكن. في هذه المرحلة، يميل المُصور إلى شارع جانبي ، حيث يمكن رؤية سُحب بيضاء من الدخان حول المتظاهرين الفارين.

في فيديو آخر مدته سبع وخمسين ثانية، نستطيع أن نرى صورة واضحة لقوات الاحتياطي المركزي بالزي الرسمي المموه رملي اللون، يضعون خُوَذ رمادية اللون والكثير منهم يحملون عصى ويحملون دروعًا، لكنها لا تحمل علامة الشرطة.

تظهر القوات بجانب شريط السكك الحديدية مما يشير إلى أنهم يتحركون جنوبًا ناحية شارع القصر، حيث يدفعون المتظاهرين جنوبًا أيضًا.

ويؤكد ذلك مقاطع أخرى من نفس الموقع، شُوهد فيها المتظاهرون وهم يفرون عبر الأشجار وعلى طول الشارع وسط أصوات إطلاق الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع.

يمكننا رؤية أدخنة الغاز المسيل للدموع على الأرض ينبعث من عبوات صغيرة. ووفقًا لتحليل الظل من المحتمل أن يكون هذا الفيديو تم تصويره أيضًا ما بين الساعة الثانية ظهرًا والساعة الثالثة عصرًا، بينما ركض المتظاهرون بجانب شارع القصر.

ثماني وعشرون ثانية هي مدة فيديو نُشر عبر تويتر، خلال الساعة الثالثة والنصف عصرًا بتوقيت الخرطوم، حيث يمكن رؤية العشرات من قوات الأمن التي ترتدي الزي الرسمي، وسط دخان الغاز المسيل للدموع. يبدو أنه تم تصوير هذا الفيديو مرة أخرى بالقرب من معمل تحاليل ستاك والتقاطع مع شارع القيادة. حيث يمكن رؤية لافتة سوداء بارزة في هذا الفيديو ظهرت في بث مباشر في وقت مبكر قليلًا من اليوم.

العديد من الأشخاص الذين يرتدون الزي الرسمي في هذا الفيديو، ملابسهم زرقاء داكنة اللون مموهة، يحملون دروعًا، ويقفون بجوار مركبة كبيرة داكنة الزُرقة مموهة أيضًا. وتقف سيارة أخرى صغيرة زرقاء على الجانب الآخر من الشارع.

تشير هذه الدلالات معًا إلى وجود شرطة مكافحة الشغب، المعروفة بارتداء هذا الزي الرسمي واستخدام مثل هذه المركبات، فعلى سبيل المثال، يظهر على حساب فيسبوك للشرطة السودانية، الزي الرسمي لهم والمركبات، وكذلك تظهر على موقع كامبوديا، ومن خلال التقارير الإخبارية.

صور لمقطع فيديو عبر تويتر مدته ثماني وعشرين ثانية لأشخاص يرتدون الزي الرسمي ومركبات شرطية.

نُشر مقطع فيديو آخر عبر تويتر- مُدته ست ثوانٍ فقط - في حوالي الساعة الثالثة والنصف عصرًا بتاريخ السابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2022، يُظهر تصاعد مزيد من الدخان الأبيض الذي يبدو أنه غاز مسيل للدموع، أسفل الزاوية قليلًا من مقاطع الفيديو السابقة. يمكن رؤية اثنين من المتظاهرين في هذا المقطع، وكذا يمكن سماع أصوات إطلاق النار.

يُظهر فيديو نُشر عبر فيسبوك حوالي الساعة الثالثة وسبع وخمسون عصرًا بتوقيت الخرطوم، بتاريخ السابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2022، أشخاصًا يحملون جثة رجل ملطخ ساقه وأسفل بطنه بالدماء.

يحمل المتظاهرون الجثة على ما يشبه حواجز الطرق، والتي تماثل ما يظهر بمقاطع فيديو أخرى لشارع القصر في ذلك اليوم.

تأكد ظهور الرجل (الذي يرتدي قميص أبيض عليه بقع ملونة ساطعة وفوقه قميص أزرق داكن مع سروال بيج قصير) في مقدمة خط الاحتجاج بشارع القصر يواجه قوات الأمن في فيديوهات عدة أخرى أطلع عليها الأرشيف السوداني، تم مشاركة تلك الفيديوهات معنا من حساب خاص، لذا فإن الأرشيف السوداني لن يستطيع مشاركتها.

هذان المقطعان أحدهما تمت مشاركته خلال الساعة الثانية وخمس وثلاثين دقيقة ظهرًا، ويُقال أن أحداثه كانت بتوقيت الثانية وربع ظهرًا، والمقطع الآخر تمت مشاركته خلال الساعة السادسة وتسع وأربعين دقيقة مساءً، لكن يبدو أنه صُور في وقتٍ سابق من اليوم. يظهر المقطعان نفس الرجل وهو يرتدي نفس الملابس وهو يقف مع مجموعة صغيرة من المتظاهرين في تاريخ السابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2022.

محطة مواصلات شروني

كشفتْ المقاطع المصورة التي التقطها المتظاهرون من محطة حافلات ”شروني“ بـ“الخرطوم“ قيام قوات الاحتياط المركزي بإطلاق كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع وكذلك الأعيرة النارية، وذلك يوم السابع عشر من كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٢. أظهرت تحليل ظلال أشعة الشمس أن الحادثة تمت تقريبًا بين الساعة الثانية ظهراً والثالثة عصراً.

ظهرت القوات في المقاطع المصورة -التي تم التحقق منها- وهم يحملون الأسلحة والهروات. ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية و موقع قوقل للخرائط، حدد الأرشيف السوادني الموقع على أنه محيط محطة شرواني للحافلات.

أدلة مرئية

“مليونية السابع عشر من يناير، إصابة بالرصاص الحي”.. يقولها أحدهم في بداية فيديو تم نُشره عبر تويتر، مدته ست عشرة ثانية.

بعد عشرة ثواني من الفيديو نرى نزيف دماء بغزارة يأتي من جسد أحد المُصابين الذي يحمله مجموعة من المتظاهرين الآخرين، يبدو أنهم يندفعون باتجاه مصور الفيديو في حالة ركض، ويبدو أن المُصاب قد فارق الحياة.

وفي فيديو آخر عبر تويتر، من نفس الموقع الجغرافي، تظهر قوات الاحتياط المركزي وهم يحملون الأسلحة والهروات.

الحادثة الثالثة: شارع كاترينا

في شارع “كاترينا” بـ”ولاية العاصمة الخرطوم” فضت القوات الأمنية مظاهرات حاشدة ضمت آلاف من المتظاهرين السلميين في السابع عشر من كانون الثاني ٢٠٢٢، بين الساعة الثانية ظهرًا والثالثة عصرًا بحسب تحليل ظلال أشعة الشمس.

نستطيع سماع صوت المتظاهرين في الفيديو الذي بدأ من شارع كاترينا جنوب شارع القصر وهم يرددون: ”ثوار أحرار هنكمل المشوار، السلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات“.

وكشف مقطعان مرئيان من بينهم بث مباشر خاص بـ“قناة الجزيرة مباشر“ التي تحقق منها “فريق الأرشيف السوادني” حالة كر وفر في صفوف المتظاهرين بعد مطاردة القوات الأمنية لهم بوابل من قنابل الغاز المسيلة للدموع، وسماع أصوات متتالية لإطلاق رَصاص حي.

كشفا أيضًا عن إصابة عدد من المتظاهرين بحالات اختناق من آثار الغاز المسيل للدموع، وفي فيديو آخر حدثت حالة ارتباك في صفوف المتظاهرين جراء سماع صوت أعيرة نارية قوي، بينما نظر المتظاهرون أعلى أسطح المباني وأحدهم قال أن هناك “قناصة” ولم يستطع فريق الأرشيف السوداني التحقق من صحة ذلك.

ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية و موقع جوجل للخرائط، حدد الأرشيف السوادني الموقع على أنه شارع كاترينا.

أدلة بصرية

يظهر المتظاهرون وهم يركضون في اتجاه مصور الفيديو عند الثانية الرابعة عشرة، بينما يظهر تطاير دخان أبيض كثيف في الخلفية أثناء محاولتهم الفرار بعيدًا عن رائحة الدخان الذي يبدو أنه غاز مسيل للدموع.

بينما في الثانية اثنين وأربعين، يظهر شاب يرتدي قميص أزرق يضع منديل أبيض على أنفه على ما يبدو حماية لنفسه من رائحة الغاز التي تسبب الاختناق.

تنتقل عدسة مصور الفيديو إلى حانب آخر من شارع كاترينا، نستطيع أن نراه وهو يعبر إلى يمينه، لنرى حشودًا كبيرة من المتظاهرين تركض هربًا وسط أصوات لإطلاق قنابل غاز مسيل للدموع، الجميع يحمي أنفه بأشياء مختلفة، وشاحات وماسكات على سبيل المثال وبعضهم يضع خُوَذًا لحماية رؤوسهم.

بالدقيقة وتسعة عشر ثانية يظهر مُصاب، لم نتمكن من الوقوف على نوع إصابته، بينما يلتف حوله مجموعة متظاهرين آخرين في محاولة لمساعدة ونقله إلى المستشفى، بعد هذا المشهد نستطيع أن نسمع صوت إطلاق أعيرة نارية وسط حالة من الارتباك والكر والفر. ورغم ذلك تتعالى الهتافات بـ” ثوار أحرار حنكمل المشوار”.

وبعد ثمانِ ثواني، نرى مرة أخرى تطاير كثيف للأدخنة الغاز المسيل للدموع، الوجوم يسيطر على وجوه الجميع الذين يبدو أنهم في حالة ترقب، بينما يظهر أكثر من متظاهر وهو يلتف بعلم السودان وواحدًا منهم علمه كان ملطخًا بالدماء.

وفي الدقيقة الثالثة، نسمع صوت إطلاق رصاص عالي، يتكرر ثلاثة مرات متتالية، الجميع يركض وأحد المتظاهرين يقول: “فوق يا جماعة فوق” فيديو في إشارة إلى أن صوت طلق الرصاص يأتي من أعلى أسطح أحد المباني، ربما يكون قناصة ولكننا لا نستطيع أن نرى ذلك.

حديقة القرشي

ثلاثة فيديوهات تم التقاطها يوم السابع عشر من كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٢ من محيط حديقة القرشي، بـ“مدينة الخرطوم“ توثق استهداف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي، بين الساعة الثانية ظهرًا والثالثة عصرًا حسب تحليل ظلال أشعة الشمس. ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية و موقع جوجل للخرائط، حدد الأرشيف السوادني الموقع على أنه محيط حديقة القرشي.

أدلة بصرية

عبر الفيديو الأول ظهر مصاب بأعيرة نارية يحمله آخرين، نسمع صوته يقول: “والله ما بتقتلونا، حنجيكم تاني”، بينما يردد من مصور الفيديو: “١٧ يناير”.

وكشف فيديو آخر عن مقتل أحد المتظاهرين، الذي غطى الدماء وجهه، بعد إصابته بعيار ناري، وهذا ما أكدته مصادر خاصة لـ”لأرشيف السوداني”.

ينتهي المقطع المصور بصوت رفاق ثورته الذي انقض عليها العسكر بقولهم: “خليك معايا يا حسن”.

ونقلت هيومن رايتس ووتش عن صديق”حسن” والذي كان معه لحظة وفاته: “القوة المهاجمة الرئيسية كانت شرطة مكافحة الشغب، المكونة من عدد من عناصر المشاة وبعض الشاحنات، سمعت عيارين ناريين”.

مضيفًا: “فجأة شعرت بالرصاصة تصيب ذراعي، نظرت إلى حسن لأخبره أنني أصبت. في تلك اللحظة، صرخ عليّ حسن ليخبرني أنه أصيب برصاصة في عينه ورأيت الدماء تغطي رأسه، أمسكت بيده وطلبت من الآخرين مساعدتي في حمله بعيدًا، طوال الطريق إلى المستشفى لم أهتم بإصابتي وأملت أن يكون على ما يرام، لكنه لم يكن كذلك، فقد توفي لاحقا”.

وفي السياق ذاته، كشف مقطع مصور، مدته دقيقة نُشر عبر تويتر، عن تواجد قوات مكافحة الشغب بزيها الأزرق المموه، وقبل نهاية الفيديو بثلاث ثواني يُمكن رؤية عبوات قنابل الغاز المسيلة للدموع بعد إلقائها تجاه المتظاهرين.

#“حُماة المصابين”.. محطة وقود الغالي

وثق فريق “الأرشيف السوداني” أربعة فيديوهات تم التقاطها من محيط محطة “وقود الغالي” في السابع عشر من كانون الثاني لعام ٢٠٢٢، بين الساعة الثانية ظهرًا والثالثة عصرًا، عن طريق تحليل ظلال أشعة الشمس.

كشفت الفيديوهات عن تواجد لـ”قوات الاحتياط المركزية” والتي ترتدي زيًا لونه “بيج” وقوات مكافحة الشغب التي ترتدي زيًا لونه “أزرق مموه” حاملين الأسلحة في تصويب مباشر تجاه المتظاهرين السلميين، بالتزامن مع إطلاق وابل كثيف لقنابل الغاز المسيلة للدموع تجاه المتظاهرين الذين احتموا خلف متاريس من الورق المُقوى، في محاولة منهم لحماية مستشفى “الجودة” التي يُنقل لها المصابين.

جدير بالذكر أن قوات الأمن السودانية داهمت من قبل المرافق الصحية واعتدت على الطواقم الطبية والمرضى. وقالت منظمة الصحة العالمية أنه ورد إليها خمسة عشر بلاغًا عن هجمات على العاملين في مجال الرعاية الصحية منذ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢١. وبحسب المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتور أحمد المنظري، فإن المنظمة تتابع الأزمة المتصاعدة “بقلق بالغ”. مضيفًا : “معظم هذه الاعتداءات ارتكبت ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية في شكل اعتداء جسدي وعرقلة وتفتيش عنيف وتهديدات نفسية وترهيب”.

ويظهر آخرون في الفيديو، وقد وضعوا أقنعة على وجوههم حمايةً لأنفسهم من تأثير الغاز المسيل للدموع الذي يسبب حالات اختناق فور استنشاقه، بينما يلقي آخرون بالحجارة والمقذوفات على الشرطة والمركبة المدرعة.

ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية و موقع جوجل للخرائط، حدد الأرشيف السوادني الموقع على أنه محطة وقود الغالي.

أدلة بصرية

ست عشرة ثانية.. مدة فيديو تم نشره عبر تويتر، تظهر فيه قوات الاحتياط المركزية عبر شريط القطار وهي تطلق قنابل الغاز المسيلة للدموع، ونسمع بوضوح صوت إطلاق الرصاص الحي.

حملت ثواني الفيديو المعدودة، شهادة لأحد المتظاهرين ويبدو أنه من التقط الفيديو بنفسه يقول: “مليونية ١٧ يناير، قوات “أبو طيره” -وهي الاسم الشعبي لقوات الاحتياط المركزي- تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين”.

فيديو ثاني، يُظهر حشود من المتظاهرين في حالة كر وفر، بعد قيام قوات الاحتياط المركزية إطلاق الرصاص وقنابل الغاز المسيلة للدموع.

يُظهر الفيديو شاب يسير ويرتدي قناع أسود على وجهه، و سترة علوية مقلمة باللونين الأبيض والأزرق، بعد إصابته في كتفه الأيمن برصاص حي.

في هذا الفيديو نسمع صوت من التقطه وهو يقول: “مليونية ١٧ يناير، إطلاق كثيف جدًا للرصاص، إصابات كثيرة جدًا لدى الشباب، قمع مفرط من قبل قوات المجلس الانقلابي للتظاهرات السلمية هنا”.

وعبر فيديوهين أُخريين نشرا عبر تويتر وفيسبوك بعنوان بـ”حماة المصابين”، يردد المتظاهرون هتافات منها “السلطة سلطة شعب و العسكر للثكنات” ويقطع حالة الهتافات السلمية قيام قوات مكافحة الشغب بإطلاق قنابل الغاز وسماع صوت إطلاق الرصاص عند الثانية الثالث عشرة.

وبعد ثلاثة ثواني من نفس الفيديو، نجد إطلاق رشاش المياه لإزاحة المتظاهرين، وأيضا نرى تطاير كثيف لدخان قنابل الغاز المسيلة للدموع.

الثانية الرابعة والعشرون من الفيديو، نرى متظاهر مُصاب برصاص حي والدماء تغطى وجهه، ويبدو عليه حالة إعياء شديدة، بينما حمله آخرين على دراجة نارية لإيصاله للمستشفى.

الدقيقة الثانية من الفيديو تُظهر أحد عساكر قوات الاحتياط المركزي وهو يحمل سلاحه ويصوبه تجاه المتظاهرين الذين يحتمون حول ساتر من الكرتون.

يقف خلف العسكري مجموعة عساكر أخرى تتحدث معه وكأنها تعطيه التعليمات، حتى يسقط مُصاب متأثرًا بإصابته بالرصاص، يدعى الحاج مالك ويحملونه رفاقه الواقفين بجانبه إلى المستشفى، إلا أنه فارق الحياة فيما بعد.

وفي السياق ذاته نسمع شهادة لأحد المتظاهرين والتي حكى فيها تفاصيل استهداف الحاج مالك، نقلًا عن لسانه: ” ”فجأة ظهر عسكري يحمل كلاشنكوف، كنّا نقول له نحن نصورك، حتى يخاف ولكنه كان يصوب تجاهنا، كنّا نحمي مستشفى الجودة خوفًا على المصابين، حتى سقط أحد المتظاهرين متأثرًا بإصابته برصاص حي وتوفى لاحقًا ويدعى الحاج مالك“.

السياق القانوني

حاور الأرشيف السوداني خبراء قانونيين لتشكيل فهم أفضل وأكثر دقة حول استخدام القوة والأسلحة التي يمكن أن تشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان في سياق الاحتجاجات والمظاهرات.

وفقًا لاتصالاتنا القانونية، فإن استخدام القوة، بما في ذلك استخدام أسلحة أقل فتكًا مثل الغاز المسيل للدموع لأغراض السيطرة على الحشود، يكون أمرًا مشروعًا فقط عند الضرورة والتناسب.

يمكن أن يشكل الاستخدام العشوائي للغاز المسيل للدموع وغيره من أساليب السيطرة على الحشود الأقل فتكًا استخدامًا مفرطًا للقوة.

تماشياً مع المعايير الدولية، يجب استخدام الغاز المسيل للدموع فقط عند الضرورة لمنع الأذى الجسدي الوشيك، ويجب عدم استخدامه كملاذ أول لتفريق المظاهرات غير العنيفة.

كما يجب على قوات الأمن وسلطات إنفاذ القانون، إصدار تحذيرات مسموعة وكافية قبل استخدام الغاز المسيل للدموع، ويجب تجنب تفاقم الموقف.

إضافة إلى ذلك، على قوات الأمن تجنب استهداف الأماكن المغلقة بالغاز المسيل للدموع، بما في ذلك الأماكن التي يُحاصر فيها المتظاهرون خلف الحواجز.

إن استخدام الذخيرة الحية أو القوة المميتة عندما لا يكون هناك تهديد وشيك للحياة أو خطر وشيك بحدوث إصابات خطيرة ينتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

لا يجوز استخدام الأسلحة النارية المميتة عمدًا إلا “عندما يكون ذلك حتميًا لا مفر منه من أجل حماية الأرواح” ولا ينبغي أبدًا استخدام الأسلحة النارية لمجرد تفريق تجمع سلمي.

يجب على قوات الأمن بذل قصارى جهدها لتقليل الضرر والإصابة في جميع الأوقات باستخدام الحد الأدنى من القوة اللازمة فقط، بما في ذلك الامتناع عن الاستخدام العشوائي للذخيرة الحية والاستهداف المتعمد لـ”رؤوس المتظاهرين وصدورهم”.

العنف المتقطع من قبل بعض المتظاهرين والذي لا يشكل تهديداً مباشراً للحياة ، مثل إلقاء الحجارة أو ركل قنابل الغاز المسيل للدموع على قوات الأمن، لا يبرر استخدام القوة المميتة من قبل قوات الأمن وأجهزة إنفاذ القانون. الجناة

“شرطة مكافحة الشغب وقوات الاحتياط المركزي” هم الجناة الأساسيين الذين حددهم فريق “الأرشيف السوداني” عن الجرائم التي ارتكبت في السابع عشر من كانون الثاني لعام ٢٠٢٢، وذلك عبر مقاطع الفيديو والصور التي تحققنا من صحتها عن هذا اليوم، المُوصوفة أعلاه.

استطعنا تحديد ذلك من خلال التعرف على الزي الرسمي والمركبات والأسلحة والمعدات التي شوهدت في مقاطع الفيديو الموصوفة أعلاه، والتي تمت مقارنتها من خلال تمثيلات وسائل الإعلام والحسابات الرسمية

يبدو أن الجناة الأساسيين عبر ما وثقنا من مقاطع الفيديو هم شرطة مكافحة الشغب وقوات الاحتياط المركزي. لقد حددنا ذلك من خلال التعرف على الزي الرسمي والمركبات والأسلحة والمعدات التي شوهدت في مقاطع الفيديو الموصوفة أعلاه.

طور الأرشيف السوداني منهجية موحدة لتحديد الجناة المحتملين. في كل مقطع فيديو تمت مراجعته يظهر فيه الجناة المحتملون، جرى تحديد أي مؤشرات لما يلي: “الزي الرسمي المعروف ارتباطه بجيش أو شرطة أو جماعات مسلحة محددة، المركبات التي تم تحديدها من قبل وحدة من قوات الأمن أو المعروف أنها تنتمي إلى مجموعة معينة، الشعارات والشارات والرموز الأخرى التي يمكن ربطها مباشرة بالجيش أو الشرطة أو الجماعات المسلحة الأخرى”.

الضحايا

جمع الأرشيف السوداني توثيقًا مرئيًا لما لا يقل عن عشرة إصابات ووفاة اثنين تم التحقق منه والمقدم في هذا التقرير.

“سبع ضحايا”.. لقوا مصرعهم بأعيرة نارية ما بين الحوض والصدر والبطن، بحسب ما أكدته لجنة أطباء السودان المركزية في بيان لها يوم الثامن عشر من كانون الثاني ٢٠٢٢. وبحسب اللجنة تراوحت أعمار الضحايا بين التسعة عشر والأربعين عامًا.

أعلنت اللجنة هُويَّات الضحايا السبع وحددت نوع إصابتهم على النحو التالي:

  • سراج عبد الله أحمد، يبلغ من العمر ٢٤ عامًا، أصيب برصاصة حية في الحوض.
  • اسحق ادم هارون، يبلغ من العمر ٣١ عامًا، أصيب برصاصة حية في الحوض.
  • عثمان عبد الله الشريف بابكر، يبلغ من العمر ٤٠ عامًا، أصيب برصاصة حية في الحوض والفخذ الأيمن.
  • الحاج مالك الحاج، يبلغ من العمر ٢١ عامًا، أصيب برصاص حي في الصدر.
  • محمد نور (بيشو)، يبلغ من العمر ٢٢ عامًا، أصيب برصاص حي في الحوض الأيسر.
  • حسن إبراهيم، في العشرينيات من عمره، أصيب برصاص في الحوض والبطن.
  • مدوي ضياء الدين محمد أحمد الشيخ، يبلغ من العمر ١٩ عامًا، أصيب برصاص ناري في الصدر.

توثق مقاطع آخرى تم نشرها على تويتر وجود الضحايا في المستشفيات، حيث ظهرت جثث المصابين ملقاة على الأرض في برك من الدماء. في الفيديو الأول، الذي تمت مشاركته الساعة التاسعة مساء وتسعة وأربعين دقيقة بتوقيت الخرطوم، هنا يُمكن رؤية الأطباء وهم يقومون بالإنعاش القلبي الرئوي لرجل يرتدي قميصًا أبيض في الأعلى وقسم أزرق في المنتصف - تمامًا مثل الضحية التي تم تحديدها سابقًا في توثيقنا للمصابين في الاحتجاجات. ويظهر مقطع الفيديو الثاني مصابين يجلسون على مقاعد ويتنقلون على نقالات ، بالإضافة إلى نقلهم إلى المستشفى.

فيما أكدت هيومن رايتس ووتش أن قوات الأمن السودانية استخدمت القوة المفرطة بما فيها القوة القاتلة ضد المتظاهرين السلميين في الخرطوم في السابع عشر من من كانون الثاني وحده.

وأوضحت هيومن رايتس ووتش أن إطلاق عبوات الغاز المسيل للدموع مباشرة على الناس قد يسبب إصابات خطيرة وينتهك المعايير الدولية، وفي السياق ذاته أكد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في منتصف كانون الثاني أن أكثر من ربع المصابين منذ الانقلاب أصيبوا مباشرة بقنابل الغاز المسيلة للدموع.

وبحسب هيومن رايتس ووتش، لم يكن الضحايا فقط قتلى ومصابين، حيث نقلت عن لسان شاهدين شاهدا ثلاث مجموعات من الشرطة تعتقل وتضرب المتظاهرين والمارة في الأحياء السكنية في “الديم” حتى الساعة 7 مساء. رأى متظاهر عمره 23 عامًا الشرطة تلاحق المتظاهرين داخل منازل في أماكن متعددة في المنطقة.

الخاتمة

وثق التحقيق عدة حالات عنف تنتهك حقوق الإنسان في الخرطوم وأم درمان، عبر ٣١ مقطع مصور، تم التحقق من موقع المقاطع المرئية عن طريق خرائط جوجل، وكذلك تحليل ظلال أشعة الشمس.

حدد فريق “الأرشيف السوداني” الانتهاكات في إطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع بكثافة وكذلك إطلاق الرصاص الحي واستهداف المتظاهرين عن عمد التي أسفرت عن مقتل سبعة متظاهرين برصاص حي، بحسب لجنة الأطباء المركزية، وثق الأرشيف السوداني اثنين منهم، وسقوط العشرات من المصابين المُحتملين بأعيرة نارية وحالات اختناق.

تحقق فريق “الأرشيف السوداني” من مقاطع فيديو تظهر أشخاصًا يرتدون الزي الرسمي الأزرق المموه المعروفة بـ”شرطة مكافحة الشغب” وكذلك أشخاصًا يرتدون الزي الرسمي الرملي المموه المعروفة بـ”قوات الاحتياطي المركزي” في تنسيق أمني مشترك.

الأرشيف السوداني يعمل على حفظ الأدلة الرقمية لـ”المحاسبة” على الجرائم المرتكبة ضد المواطنين السودانيين. إذا كان لديك أي مادة قد تكون مفيدة لـ” أرشيفنا أو تحقيقاتنّا”، رجاء التواصل معنّا عبر هذا الايميل info@sudanesearchive.org.

نسعى للحصول على تبرعات فردية لتنفيذ عملنا. يرجى النظر في دعمنا.

تواصل معنا
حولتواصل معناالصحافة
Mnemonicالأرشيف السودانيالأرشيف اليمني