عنف ضد المتظاهرين بالخرطوم يوم 3 يونيو 2019

عنف ضد المتظاهرين بالخرطوم يوم 3 يونيو 2019

Wed Jun 03 2020
قتل أكثر من 100 و جرح 326 على الأقل

مقدمة

هذا التحقيق هو مشروع تعاوني بين الأرشيف السوداني ومختبر التحقيق التابع لمركز حقوق الإنسان في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في ذكرى مذبحة 3 يونيو التي أودت بحياة أكثر من 100 شخص، تم جمع 40 جثة منهم في وقت لاحق من النهر، وإصابة ما لا يقل عن 326 آخرين، نتيجة قيام قوات الدعم السريع وغيرها من قوات الأمن بتفريق الاحتجاجات بعنف في جميع أنحاء مدينة الخرطوم. سوف يكشف تقريرنا كيف قامت قوات الدعم السريع بتجميع المتظاهرين، وهاجمتهم بعنف، كما رأينا في لقطات من ذلك اليوم قمنا بالتحقق منها واختصارها باستخدام أدوات مفتوحة المصدر. هذا التقرير هو الأول من سلسلة من التحقيقات المتعلقة بـ 3 يونيو لزيادة إثبات الأدلة على عنف قوات الدعم السريع – وقوات الأمن الأخرى – ضد المتظاهرين.

ماذا حدث؟

بعد شهرين تقريباً من سقوط عمر البشير، الرئيس السوداني السابق الذي دام فترة طويلة في سدة الحكم، واصل عشرات السودانيين التظاهر في شوارع الخرطوم وفي المدن في جميع أنحاء البلاد. وعلى الرغم من أن البلاد تخلصت من ديكتاتورها الشهير الذي دام 30 عاماً، إلا أن المتظاهرين شعروا بأن نظاماً بأكمله لا يزال مسؤولاً وقائم على أمر البلاد. وقد دفع ذلك النشطاء والجماعات المؤيدة للديمقراطية مثل لجنة أطباء السودان المركزية وتجمع المهنيين السودانيين إلى الدعوة إلى مواصلة التظاهرات. ترافقت هذه المظاهرات مع إضرابات واعتصامات، كان أبرزها حول مقر قيادة الجيش، الذي يشار إليه أيضاً بشارع القيادة.

في الساعات الأولى من يوم 3 يونيو 2019، أعلنت لجنة اطباء السودان المركزية على صفحتها على فيسبوك أن هناك مؤشرات على أن الجيش السوداني قد يخطط لتفريق مقر الجيش(فض الاعتصام). وفي هذا المنشور، دعت اللجنة جميع المهنيين الطبيين إلى توخي اليقظة خشية الحاجة إلى المساعدة الطبية.

منشور على فيسبوك حيث أرسلت لجنة اطباء السودان المركزية تحذيرًا حول فض الاعتصام

كان شارع القيادة بمثابة مكان مهم جداً لمئات المتظاهرين، الذين توزعوا على مساحة 10 كيلومترات مربعة. وشملت المنطقة نقاط تجمع حول شارع النيل، وشارع الإمام المهدي، وأبرزها مسجد جامعة الخرطوم.

ومع تقدم اليوم، أصبح تحذير لجنة اطباء السودان المركزية حقيقة: فبدأت قوات الجيش والأمن في القبض على المتظاهرين، لا سيما حول نقطتين مهمتين؛ الأولى كانت مقر الجيش والثانية مسجد جامعة الخرطوم.

مؤشرات سابقة على العنف:

ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان Physicians for Human Rights عرّف العديد من الجناة أنفسهم بأنهم من قوات الدعم السريع لضحاياهم. وأشار التقرير نفسه إلى أنه قبل 3 يونيو، ولا سيما قرب نهاية مايو، أعادت السلطات توزيع قوات الأمن حول موقع الاعتصام، واستبدلت القوات السلمية بقوات معادية. وكانت تلك القوات مسلحة بمجموعة متنوعة من الأسلحة بما في ذلك الغاز المسيل للدموع والهراوات بالسياط والعصي والأسلحة النارية، وحتى بنادق كلاشنيكوف.

وعند التحقق من أكثر من مائة شريط فيديو وصورة وتحليلها، أصبح من الواضح أن الهجمات كانت شبه منظمة، إن لم تكن متعمدة. تُظهر الصور أدناه مواقع قوات الدعم السريع ومتظاهرين وأعمال عنف. وتبين الخريطة بوضوح قرب الهجمات وتشير إلى أن قوات الأمن قد تمترست في ذلك الجزء من الخرطوم.

وحصل الأرشيف السوداني على نسخة من وثيقة أرسلت إلى السفارات في الخرطوم توصي الموظفين والدبلوماسيين بالابتعاد عن محيط مقر الجيش وجميع جسور الخرطوم وحول أي من الاعتصامات أو الاحتجاجات التي تجري في جميع أنحاء البلاد. والوثيقة مؤرخة في 30 ,مايو 2019، ويبدو أن وزارة الخارجية السودانية أرسلتها.

الوثيقة التي أرسلت إلى السفارات والبعثات الأجنبية من قبل وزارة الخارجية السودانية، والتي حصل عليها الأرشيف السوداني

مثال يوضح مكان وجود المتظاهرين والكيفية التي ربما استهدفت بها قوات الأمن مواقع معينة

الأدلة البصرية

حلل فريق الأرشيف السوداني مئات من المحتويات البصرية. وتسلط هذه المقالة الضوء على بضع نقاط رئيسية لبلورة فجر الثالث من يونيو ، بينما ستظهر نقاط أخرى في التحقيقات المقبلة. وعلى الرغم من البث الحي لبعض أشرطة الفيديو التي تم التحقق منها، فقد تم نشر أشرطة أخرى فيما بعد، وهو ما يمكن أن يكون قد حدث نتيجة لانقطاع الانترنت في /يونيو 2019، مما أعاق نشر لقطات مصورة في الثالث من يونيو في وسائط التواصل الاجتماعي.

أعلنت نتبلوك في 10 يونيو أن اتصالات الإنترنت في السودان أو ما تبقى منها تم قطعها

يبدأ هذا الفيديو الذي مدته نصف ساعة والذي تم بثه مباشرةً في تمام الساعة 4:45 صباحاً في الثالث من يونيو، بظهور المحتجين وهم يهتفون، ولكن الإضاءة سيئة للغاية لتحديد الموقع. فى الدقيقة ٥٤: ٥، يتحرك المصور، الذي عرف لاحقا براني فرح، باتجاه جسر له أقواس. وهناك شجيرة صغيرة عند مفصل الطريق وشجرة على يسار الإطار، أقرب إلى الجسر. وبمقارنة الجسر المصور بالفيديو مع جسور أخرى في الخرطوم، يبدو أن جسر النيل الأزرق هو الجسر المسجل في الفيديو. ومن وضع الأشجار والجسر والطريق الجانبي المتقطع، يبدو أن مصور الفيديو تحرك من موقع على الطريق حوال الاحداثيات 15.613111,32.545371, غرباً نحو الجسر حول 15.612874,32.544257.

صورة توضيحية للمعالم البارزة في الفيديو مع خرائط غوغل

بالإضافة إلى ذلك في الفيديو، هناك مشاهد لما تبدو كقوات الأمن في الزي الأزرق، الذي تشير كاموبيديا camopedia إلى أنه ينتمي إلى قوات الشرطة السودانية.

لقطة لما يبدو أنه قوات الشرطة في الفيديو

فى الدقيقة 18:45 في الفيديو. يمكن مشاهدة نصب عمودي بفحص غوغل إيرث، يمكن مقارنتها بمسجد جامعة الخرطوم. وهنالك ايضا برجان إذاعيان عندما يستدير المصور. وهذا يبين أنه تم تصويره فحول 15.610368,32,544879، في تقاطع مقابل الجامعة.

وتظهر النصب العمودية وأبراج الإذاعة في هذا الفيديو

بالتقدم السريع إلى الدقيقة 25:07، ويعبر مصور الفيديو من التقاطع بالقرب من مسجد جامعة الخرطوم ويبقى في نقطة على الطريق، حول 15.610027, 32.545273، حتى نهاية الفيديو.

المعالم كما رأينا في الفيديو، معلمة على خرائط غوغل

يمكن سماع إطلاق النار في الفيديو ، قادمًا من اتجاهات متعددة ، حتى يظهر مصور الفيديو و هو يتلقى طلقة بنفسه. وفي وقت لاحق، نُشرت صور على وسائل التواصل الاجتماعي لراني فرح تظهره في المستشفى بعد أن أصيب في صدره.

تم العثور على الصورة الأولى على الإنترنت تظهر إصابة في الصدر والثانية لمصور الفيديو في مشهد في مقطع الفيديو يظهر وفقا لروايته أنه قد أصيب

بمقطع فيديو آخر تأكد أنه تم تصويره بالقرب من مسجد جامعة الخرطوم يظهر النصب العمودي للجامعة وكذلك أبراج الراديو.

من الدقيقة 0:01 إلى 3:04، يمر الشخص الذي يصور من قبل ثلاثة حواجز وبوابة. وهذا يتفق مع صور الأقمار الصناعية التي تؤكد أن الفيديو تم تصويره في 15.611353,32.544543. ثم يمر الشخص من خلال الحصار الذي يعمل أيضا كبوابة.

هذا هو عندما يمكن رؤية النصب العمودي لأول مرة، مما يشير إلى أن البوابة أقرب إلى مسجد جامعة الخرطوم من الحواجز.

تنعكس هذه العلاقة في صور القمر الصناعي.

كما يظهر في الفيديو وفي خرائط غوغل

في الدقيقة 28:6 في الفيديو، يمكن رؤية ضباط يضربون متظاهراً بعصا. كما قام ضابط شرطة بضرب رجل جريح بالقرب من المقطع المرئي حول 32.544720 ,15.609920، في الدقيقة 7:12. هذا الرجل هو قائد مجموعة كبيرة من المتظاهرين التي يبدو أنها مطاردة من قبل الضباط. بدأ الضباط في قرع وضرب هؤلاء المتظاهرين في الدقيقة 7:18 في الفيديو. ويمكن أيضاً مشاهدة ضابط شرطة وهو يدفع مع متظاهراً بعنف في الدقيقة 8:01 في الفيديو.

ضابط شرطة يدفع متظاهر بعنف

تم نشر الفيديو على الإنترنت في العاشر من يوليو، ولكن من خلال التحقق باستخدام "وولفرام ألفا" Wolfram Alpha في حالة الطقس، بدأ متسقا مع السماء الرمادية الواضحة في الثالث من يونيو. تم البحث عن صور عكسية من الفيديو على موقع ياندكس Yandex، وهو أداة للبحث عن الصور على الإنترنت، وجد أنه لم يظهر أي من الصور قبل العاشر من يوليو. أقرب صور الأقمار الصناعية إلى الثالث من يونيو وجدت على غوغل إيرث تم التقاطها في 1 يونيو 2019. لكنَّ هذه الصورة تُظهر خيمة خضراء كبيرة الى الشرق من النصب العمودي لا تزال سليمة. في الفيديو، هذه الخيمة احترقت بالكامل هذا يشير إلى أن الفيديو تم تصويره بعد 1 يونيو 2019. صورة أخرى على غوغل إيرث التقطت في 7 يونيو 2019. فقد أُزيلت فيه حواجز الطرق والخيام والبناء على الزاوية الشمالية للنصب العمودي. هذا يشير إلى أن الفيديو تم تصويره قبل السابع من يونيو 2019 هذا يؤسس المدى من 1 يونيو إلى 7 يونيو 2019.

معالم تم تحديدها بواسطة غوغل ايرث

تم تحديد المعتدين في هذا الفيديو على أنهم قوات الشرطة و قوات الدعم السريع (الذين يمكن التعرف عليهم على أنهم من يرتدون الزي البني الرملي) من خلال البحث عن زيهم العسكري في كاموبيديا. ويبدو أن هذا الفيديو قد تم تصويره من قبل ضابط في قوات الدعم السريع يمكن رؤيته في مرحلة ما من البث المباشر.

الضابط المعني من قوات الدعم السريع

هذا الفيديو تم التقاطه قرب مسجد جامعة في الخرطوم وشارع النيل. وبسبب ذلك، قرر مركز حقوق الإنسان صنع صورة مركبة للمنطقة عن طريق التقاط عدة لقطات من شريط الفيديو وحياكتها معاً. واستخدام هذه الصور الشاملة لمسح المساحات المفتوحة من الفناء التي يكسوها غطاء نباتي يتراوح بين الخفيف والمتوسط، وحائط زاوية يمين بجوار مبنيين مباشرة، وعدة مبان طويلة/طويلة مزودة بحاويات مياه زرقاء فوق المبنيين المذكورين مباشرة. تم العثور على واحدة مشابهة باستخدام غوغل إيرث في 32.547792 15.612386.

المشهد الشامل تتبعه لقطة من الموقع على غوغل إيرث

كان التشابه الرئيسي الذي ساعد باحثينا على التحقق من موقع هذا الفيديو هو السياج ذو الزوايا اليمنى، المبنيين المجاورين له مباشرة، والنباتات المجاورة. يبدأ الشخص الذي يصوّر الفيديو بمواجهة سياج طويل نسبياً (الغرب). ثم استدار إلى اليمين (شمالاً) وعرض عليه مبنى من طابقين إلى ثلاثة طوابق تقريباً. ويتقاطع السياج زاوية يمنى قريبة من هذا المبنى أمامه يمتد الجدار الأول عموديا إلى جانبه، ثم يكون الجدار ظاهرا للعيان بمحاذاة المبنى ويمتد إلى اليمين (الشرق). وهناك نباتات خفيفة (عدة شجيرات متوسطة الارتفاع) أمام الزاوية تشكل من هذا السياج. الرجال في الفيديو يرتدون نوعين من الزي العسكري يمكن رؤية قوات الدعم السريع وقوات الشرطة واعتباراً من الدقيقة 00:03-00:42 يمكن رؤية قوات الأمن، التي يبدو أن معظمها من قوات الدعم السريع ، وهي توبخ شاباً وتهديده بالعصي. يعقب هذا مشهد ضباط يطاردون رجل يزحف بعيداً ويضربونه بالعصي ويُظهر مشهد تصويري آخر ضابطا في قوات الدعم السريع يحمل مسدسا ويصرخ في وجه رجل ملقى على ظهره يبدو أن رأسه تنزف بغزارة. ويتلوه آخر افترض انه متظاهر يضربه الضباط. وليس من الواضح ما إذا كان الرجل واعيا في ذلك الوقت أم لا، ولكن الجنود يوقظونه في نهاية المطاف ويأخذونه إلى مكان ما.

صور فوتوغرافية تصور الاعتداء الذي تعرض له المتظاهرين

على الرغم من أننا لا نستطيع التأكد من أن الفيديو قد تم تصويره في الثالث من يونيو، هناك إشارة قوية أنه تم تصويره بالقرب من أو في ذلك التاريخ بسبب ميزات ونتائج تم التوصل إليها من غوغل إيرث وولفرام ألفا.

الفيديو التالي تم التقاطه في مكان مختلف بالقرب من مقر قيادة الجيش هذا الفيديو شديد الوضوح يظهر المتظاهرين وهم يحاولون نقل جثة بينما يصرخ أحدهم: "لقد قتلوا واحداً! لقد قتلوا واحداً! "أثناء سماع الطلقات النارية في الخلفية. وبينما يهرع المتظاهرين من إطلاق النار إلى يمينهم، نستطيع أن نرى مبنى مقر قيادة الجيش والبناء المقوس المحيط به، في حين توجد على يسارهم خيام مؤقتة. هذا يشير إلى أن الفيديو تم تصويره حول 32.544943, 15.606288.

مقر قيادة الجيش محاطاً بالهيكل المقوس كما شوهد في غوغل إيرث

وعلى الرغم من أن الفيديو تم رفعه في الساعة ٩:١٩صباحاً من الثالث من يونيو، فمن المقدر أن الفيديو تم تصويره حوالي ٥:٣٠ من صباح الثالث من يونيو، استناداً إلى تحليلنا.

ويظهر فيديو آخر تم تصويره حول مقر قيادة الجيش ما يشبه ضابطا بزي باللون البيج يضرب المتظاهرين من داخل مبنى تبين أنه أمام مقر قيادة الجيش. وعندما تتحرك الكاميرا ، يمكن أن يُرى في الاعلى القوس الذي شوهد في المشهد السابق. يمكن رؤية المتظاهرين في الفيديو خائفين، يبتعدون عن العصا لتجنب الضرب بينما ينظرون بخشية.

النوافذ ذات القضبان كما شوهدت في الفيديو في صورة لمقر قيادة الجيش

ثم تم مطابقة هذا البناء والتحقق منه باستخدام غوغل إيرث مما يشير إلى أن الفيديو تم تصويره حول 32.547111, 15.608083.

ما يبدو كبوابة مقر قيادة الجيش يمكن مشاهدته على غوغل إيرث

من المرجح أيضاً أن هذا الفيديو تم تصويره حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحاً في الثالث من يونيو، على الرغم من أنه تم نشره في التاسع من يوليو، استناداً إلى تحليل أجراه الأرشيف السوداني واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، للظلال والطقس، وتأكيد محتويات الفيديو مع آخرين يظهرون الأحداث التي وقعت في ذلك اليوم.

الاستنتاج

بعد تحليل العديد من مقاطع الفيديو والبث الحي التي تظهر العنف الذي حدث في الثالث من يونيو، حدد الأرشيف السوداني أن الكثير من أعمال العنف التي أدت إلى إصابات وموت المتظاهرين كانت نتيجة مباشرة لسلوك قوات الدعم السريع. وأشارت أشرطة الفيديو التي تم التحقق منها إلى وجود عسكري قوي وعنف مفرط ضد المتظاهرين. كما ساعدتنا الفيديوهات على التأكد من أن قوات الأمن حاصرت موقع الاعتصام وفككته باستخدام تكتيكات عنيفة ضد المتظاهرين. وهذه أول تحقيقات مقبلة في حوادث عنف محددة وقعت في ذلك اليوم.